١٤ مايو ٢٠٠٨

قضية فلسطين اليوم. رؤية فقهية سياسية

أحمد الريسوني لا شك في أن أهم ما يميز "قضية فلسطين اليوم" هو الفوز الانتخابي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ثم تشكيلها للحكومة الفلسطينية الحالية، ثم الآثار والتداعيات الناجمة عن ذلك. هذا الواقع الجديد "ملأ الدنيا وشغل الناس" داخل الساحة الفلسطينية الشعبية والحزبية والمؤسساتية، كما شغل العالم العربي والإسلامي على مختلف الأصعدة، وشغل الأوروبيين والأميركيين ورباعيتهم.. هناك تركيز شديد –إن لم يكن تاما– على جهة واحدة من القضية، وهي الأزمة أو الأزمات الناجمة عن فوز حماس وعن حكومة حماس، ولو أن الصواب هو أن نتحدث عن الأزمات الناجمة عن مناهضة فوز حماس وعن مناهضة حكومة حماس. لكن على كل حال هذا الوجه من وجوه "قضية فلسطين اليوم"، قد أخذ ويأخذ من الاهتمام كل ما يستحقه بل أكثر مما يستحقه حتى غطى على غيره من جوانب القضية اليوم. من هذه الجوانب العودة القوية للوجه الإسلامي والبعد الإسلامي للقضية، ويتمثل ذلك خاصة فيما يلي: - انتعاش الاهتمام الشعبي والدعم الشعبي للقضية الفلسطينية على صعيد العالم الإسلامي، من دكار إلى جاكرتا وليس من المحيط إلى الخليج فحسب، وذلك بفضل البعد القومي والإسلامي الذي تنطلق منه حماس وتعول عليه. وهذا العنصر والذي يليه يمكن أن يشكلا وسيلة (حصار مضاد) يستخدمها الفلسطينيون ضد إسرائيل. - عودة العلماء إلى ساحة القضية وتعاظم دورهم في تحريكها وتوجيهها داخل فلسطين وفي معظم العالم الإسلامي (مؤتمر الدوحة الأخير نموذجا، وقبله مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ببيروت). - تزايد الاعتماد على المرجعية الإسلامية في النظر إلى القضية واتخاذ المواقف فيها، وخاصة من لدن حركة حماس والفصائل المشابهة لها، وهو ما دعا إلى كتابة هذا المقال.
القضية الفلسطينية والمرجعية الإسلامية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيام إسرائيل في نظر الشريعة الإسلامية إنما هو "عملية غصب كبرى" ممهد لها ومصحوبة ومتبوعة بأعمال إجرامية لا تعد ولا تحصى تمتد وتتواصل ما يقرب من قرن من الزمن، من قتل لمئات الآلاف من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين، ومن طرد وتشريد للملايين، ومن ترويع وتعذيب واعتقال لما لا يحصى من الناس، إلى غير ذلك مما نعيشه ونشاهده في كل يوم. والحقيقة أننا لو رجعنا إلى الديانتين اليهودية والمسيحية في مبادئهما وقيمهما لما وجدنا غير هذه النظرة ذاتها. من هنا فإن إسرائيل في النظرة الإسلامية وفي كل نظرة دينية صحيحة إنما هي سلسلة من الأعمال الباطلة ومن الجرائم الفاحشة التي تستوجب الرفع والإزالة من جهة، وتستوجب معاقبة الجناة من جهة ثانية، وتعويض الضحايا من جهة ثالثة. فمن القواعد التشريعية الإسلامية القاعدة التي عبر عنها عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– بقوله "الحق قديم" وعبر عنها الفقهاء بقولهم "الحق لا يسقط بالتقادم". وهذا يعني أن جميع حقوق الفلسطينيين تظل ثابتة ومستحقة لهم شعبا وأفرادا مهما تطاولت العصور والأزمان، وسواء في ذلك أراضيهم ودماؤهم وأعراضهم وأموالهم. ومن واجب كل مسلم أن يعتقد هذا ويؤمن به، لأنه جزء من شريعته ومن مقتضياتها، كما أن من واجبه أن يبذل جهده أيا كان نوعه وحجمه لإحقاق الحق وإزهاق الباطل. ومقابل قاعدة "الحق قديم" توجد قاعدة إسلامية أخرى هي "الضرر لا يكون قديما"، وتعني أن الضرر لا يكتسب المشروعية بالتقادم، ولا يمكن أن يصبح مقبولا وحقا بمجرد قدمه وطول عهده. فالإضرار بالناس وظلمهم والتعسف عليهم هو دائما جديد ومتجدد ما دام قائما، ودائما تلاحقه وتنطبق عليه قاعدة "الضرر يزال"، فمقتضى هذه القاعدة هو أن "إسرائيل تزال". على أن إسرائيل ليست مجرد ضرر يزال، بل هي ضرر وخطر وفساد وشر وهلاك، ولذلك فإن المؤمنين بوجوب زوالها أو بحتمية زوالها ليسوا منحصرين في الفلسطينيين، ولا في العرب والمسلمين، بل هم موجودون حتى في اليهود والمسيحيين. زوال إسرائيل.. ومتى؟ ومن؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الواضح ومن المؤكد أن زوال إسرائيل ليس وشيكا ولا ظاهرا في أفق قريب، ولكنه آت لا ريب فيه.إن القول بزوال إسرائيل سواء من باب الحتمية الخلقية الشرعية (أي وفق مبادئ الشرع وقواعده) أو من باب الحتمية التاريخية الاجتماعية (أي وفق سنن التاريخ والاجتماع البشري) ليس مرتبطا بزمن ولا أجل. كما أن الأمر ليس منوطا بحركة حماس ولا بمجمل الفصائل الفلسطينية وحدها ولا هو خاص بالشعب الفلسطيني. بل إنه واجب الأمة الإسلامية برمتها. وهو بالدرجة الأولى واجب حكام المسلمين بما تحت أيديهم من شعوب وجيوش وأموال. والحال أن هؤلاء لم يستعملوا من الإمكانات المتاحة لهم لمواجهة الطغيان الإسرائيلي حتى 1%، بينما لم يترك الشعب الفلسطيني من جهده وقدراته شيئا ولا 1%. بل إن هناك من الحكام العرب من قدموا لخدمة إسرائيل وحراستها أكثر بكثير مما بذلوه لمواجهتها وكبح جرائمها، ومنهم من أصبح همهم الأول التطبيع مع إسرائيل وتسويقها ودمجها في المنطقة. يجب أن نسجل ونعترف بأن الشعب الفلسطيني أدى ويؤدي كل ما يجب عليه، وبذل ويبذل كل ما يستطيعه، لقد كان في مستوى قدره. لقد تحمل الشعب الفلسطيني خلال الستين سنة الماضية من الأضرار والجرائم والمحن والتضحيات ما لم تتحمل مثله شعوب أخرى في تاريخها كله. ونحن على ثقة ويقين من أنه سيستمر على هذا المستوى من التحمل والأداء، ولكن.. ليس بالشعب الفلسطيني وحده تواجه إسرائيل وتحرر فلسطين. مع العلم أن الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني نفسه يوجد خارج فلسطين، وهو ممنوع –دوليا وعربيا– من ممارسة حقه في المقاومة والنصرة، بل إن بعض الأشقاء الأشقياء يترصدونه ليل نهار، بتهمة حمل السلاح وتهريب السلاح خوفا من إسرائيل أو خوفا على إسرائيل. شعب صغير أو نصف شعب صغير، يعيش ويتحرك تحت الظروف الإقليمية والدولية المشار إليها، لا يمكن أن نحمله وحده مواجهة إسرائيل ومن خلفها ومن حولها، ولا يعقل أن نطلب منه ونتوقع منه تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. نعم إن الشعب الفلسطيني لابد أن يكون في طليعة أي عمل وأي مبادرة وأي خطوة وأي معركة لتحرير فلسطين، أما أن يقال له "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" فهذا ليس شرعا وليس دينا، وإنما الشرع هو "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها". من هدنة طويلة الأمد إلى اتفاقية سلاملقد نادى الشيخ الجليل الشهيد أحمد ياسين رحمه الله بهدنة طويلة الأمد مع العدو الإسرائيلي، وما زال قادة حركة حماس يرددون هذه الفكرة، ولعلهم دخلوا فيها بالفعل، ولو بشكل تجريبي. ما الذي يمنع من أن تتحول هذه الفكرة إلى فكرة اتفاقية سلام، قد يكون طويل الأمد أيضا، وقد يكون قصير الأمد، وقد لا يتحقق أبدا؟ ولتكن "فكرة اتفاقية السلام" هذه مشروطة بالاعتراف المتزامن من الطرفين بجميع القرارات الأممية المتعلقة بفلسطين، وباتخاذها كاملة أساسا مرجعيا للسلام والتعايش. سيقول قائلون إن إسرائيل نفسها لن تقبل هذا، نعم فليكن. وسيكون في الرفض الصهيوني المتوقع ربح سياسي كبير للفلسطينيين خاصة إذا كان مصحوبا ومتبوعا بنشاط إعلامي وسياسي ودبلوماسي فعال. وستسقط الحجج والتعلات التي يحاصر بها الفلسطينيون، وخاصة حركة حماس وحكومتها.. فهذا الاعتراض الأول وجوابه. وأما الاعتراض القوي الذي ينهض في وجه هذا المسلك، بل في وجه مجرد التفكير فيه فيحتاج أولا إلى تقريره وتحريره، قبل بيان الرأي فيه. وجه الاعتراض هو أن أي تفاوض سياسي مع العدو الغاصب وأي تسليم له بغصبه ووجوده، هو تفريط وتنازل لا يجوز، فكيف بالاعتراف بـ"دولة إسرائيل"، وبحقها في الوجود والبقاء المستمر؟ وكيف وقد أفتى العلماء وما زالوا يفتون بتحريم التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين؟ كما أن الاعتراف بهذا الكيان الظالم الغاصب يعتبر مصادرة لحق الأجيال اللاحقة ومنعا من تحرير فلسطين عندما تكون قادرة على ذلك. وجوابي ووجهة نظري أن كل ما جاء في هذا الاعتراض حق وصواب، ولكن: 1- للضرورة أحكام، والضرورات تبيح المحظورات، والفلسطينيون اليوم وحدهم في المعركة، وعلى الحال التي وصفت... فإذا رأوا وقدروا وقرروا أنهم لا قبل لهم في الظروف الراهنة وإلى أجل غير مسمى، بمواجهة العدو ومن وراءه ومن يحرسونه من حوله، وأنهم لا قدرة لهم في الأمد المنظور على تحرير فلسطين كل فلسطين فلهم أن يجتهدوا ويتصرفوا في حدود طاقتهم. وفوق طاقتك لا تلام، و"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها". إن فتاوى تحريم وتجريم كل تفريط أو تسليم أو تعامل مع العدو يجب أن توجه اليوم إلى حكام العرب والمسلمين وما عندهم من جيوش مجمدة وأموال مبددة وشعوب مهددة. 2- العقود التي تتم تحت القهر والإكراه والاضطرار لا تعطي للظالم حقا ولا مشروعية، وليست لها قيمة شرعية ولا قانونية. وهي قابلة للنقض والإلغاء في أي وقت. وإنما العقود والعهود التي يجب الوفاء بها هي التي قامت على العدل والإنصاف، وعلى الرضا والاختيار. 3- الأجيال اللاحقة من الفلسطينيين ومن المسلمين ستكون لهم مداخل ومخارج متعددة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا. والمهم في صنع التاريخ الدولي وتوجيه أحداثه ومساراته هو القدرة والإرادة. 4- مما جرت به الفتوى عند فقهاء الإسلام جواز دفع شيء من الأموال والممتلكات للبغاة وقطاع الطرق لأجل تخليص الباقي وحفظه إذا لم يكن بد من ذلك. 5- ومن الاجتهادات السياسية النبوية التي يسترشد بها في هذا المجال ما فعله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب حين اشتدت على المسلمين في المدينة وطأة الحصار المطبق الذي تم تنسيقه بين قريش وعدد من القبائل العربية واليهودية. فقام عليه السلام بمفاوضة قبيلة غطفان لينصرفوا ويكسروا الحصار مقابل منحهم ثلث ثمار المدينة. ورغم أن هذه الفكرة لم تنفذ فإنها دلت –من حيث المبدأ- على مشروعية مثل هذا التدبير عند الضرورة. ويبقى التنبيه أخيرا على أن مثل هذا التوجه إذا كان في نظري سائغا للفلسطينيين ومقبولا منهم إذا قدروه وقرروه بصفة شورية، فإنه لا يجوز ولا يقبل بحال من الأحوال لغيرهم من المسلمين وحكام المسلمين. فلا يجوز لهم مع العدو الغاصب المعتدي صلح ولا اعتراف ولا تطبيع لأنهم –بكل بساطة وبكل يقين– لا ضرورة لهم ولا حاجة عندهم لشيء من ذلك، وإنما هو تخاذل وخذلان وذل وهوان.
المصدر: الجزيرة
مواضيع مشابهة