٩ يونيو ٢٠٠٩

رقية الهويريني(مقال عن الوافدين)

كنت أتحاشى الكتابة عن هذا الموضوع الذي يضعني في حرج أمام أساتذة ذوي مستويات عليا من العلم والثقافة، وصديقات، وتلميذات في المدارس، وأعني أوضاع الإخوة الوافدين العرب في بلدنا. فعند دخول أحدهم بلدنا يُعمَد لسحب جواز سفره، فلا يستطيع التنقل إلا بورقة (لمن يهمه الأمر) مهما كان مستواه العلمي أو الخُلقي لحين استخراج بطاقة الإقامة. وقد لا تنتهي همومه ولا تهون مصيبته حتى بعد استلامه عمله، حيث لا يمكنه ترك الكفيل أو استبداله مهما كان بغيضاً أو قاسياً أو بخيلاً أو مدمناً! وحين يرغب بنقل الكفالة فإن ذلك أقرب للمستحيل وأدنى للذل والاستغلال إن لم تكن التأشيرة حرة كما يطلق عليها، وهذا أقرب للعبودية! بل إن العبد في الأزمان السابقة يمكنه ترك العمل عند سيده بعد تسديد ثمن حريته! وعندما يريد المقيم إنهاء إجراءاته، أو قضاء مصالحه في إحدى الدوائر الحكومية يلازمه مصطلح أجنبي مهما كانت لغته ودينه وعلمه، ويحتَم عليه اصطحاب مواطن سعودي - بأقل المواصفات - لا ليتكلم عنه لأنه يستطيع التحدث بلسان عربي فصيح، ولكن ليدخله المكان ويفاوض باسمه، زاعماً أنه (ما يقدر يدبّر أموره) ويقابله من ينهي إجراءاته بتثاقل وكأنه من دون كرامة أو قيمة! بحجة كونه مقيماً أو وافداً، أو -الطامة الكبرى- أجنبياً! وإن حدثتكم عن السكن والمأوى فغالبهم يسكن في أسوأ الأماكن، وقد لا يجد في مسكنه تكييفاً، وقد لا يتوفر ماء بالحمام، بل قد لا يجد حماماً أصلاً يصلح للاستخدام الآدمي، وكأنه ليس من حقه أن يسكن في مكان ملائم أو حي مناسب إلا بموافقة كفيله على ذلك! ولو تأملنا التوجيهات النبوية لمن لديه عبد مملوك آنذاك؛ فإنه يُلزم السيد بإسكان عبده حيث يسكن وإطعامه مما يطعم وكسوته مما يلبس. وتواجه الوافد معضلة تدريس أبنائه وبناته، فليس من حقهم الدراسة إلا في الأحياء الفقيرة أو غير المرغوبة كيلا يضايقوا أبناء المواطنين حتى ولو كان والدهم يسكن في حي راقٍ! ونأتي للزواج والعلاقات الإنسانية! فلا يؤذن له بالزواج من فتاة سعودية مهما كانت قرابتها له، وأياً كان عمرها إلا بعد إجراءات طويلة، وقد يدخل في تصنيف (مهوب من مواخيذنا) مهما كان تدينه والتزامه بفروضه الشرعية، وأياً كانت أخلاقه وأمانته ومستوى وظيفته! أو ليست بلادنا بلاد الإنسانية والسلام ومن دخلها لا يهان ولا يضام؟ فكيف بتعاملنا مع الوافدين والمقيمين عموماً، ناهيك عن العرب والمسلمين منهم بالذات؟ إن وضع ضوابط للاستقدام، وإرساء قوانين للوافدين في بلادنا أمر منطقي لا نختلف عليه، للمحافظة على أمن البلاد واقتصادها والحرص على عدم مزاحمتهم لأبنائه في رزقهم، ولكن قيام الحاجة لخدماتهم لا يخول لنا إهانتهم أو إذلالهم وهم الذين قامت مدارسنا على أكتافهم وتعلم أبناؤنا على أيديهم وبنيت منشآتنا الضخمة بسواعدهم ونزف عرقهم. أفلا تُسن قوانين إنسانية تكفل حقهم وتحفظ كرامتهم وهم الكرماء أصلاً؟!
* نقلا عن صحيفة "الجزيرة" السعودية

٨ يونيو ٢٠٠٩

النخلة وبستان أبي الدحداح

بينما كان الرسول محمد صلَّى الله عليه وآله جالساً وسط اصحابهإذ دخل عليه شابٌّ يتيمٌ يشكو إليه قائلاً
( يا رسول الله ، كنت أقوم بعمل سور حول بستاني فقطع طريق البناء نخلةٌ هي لجاري طلبت منه ان يتركها لي لكي يستقيم السور فرفض ، طلبت منه أن يبيعني إياها فرفض )
فطلب الرسول أن يأتوه بالجارأُتي بالجار إلى الرسول صلى الله عليه وآله وقص عليه الرسول شكوى الشاب اليتيم فصدَّق الرجل على كلام الرسول فسأله الرسول صلى الله عليه وآله أن يترك له النخلة أو يبيعها له فرفض الرجل فأعاد الرسول قوله ( بِعْ له النخلة ولك نخلةٌ في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام )
فذُهِلَ اصحاب رسول الله من العرض المغري جداً فمن يدخل النار وله نخلة كهذه في الجنة وما الذي تساويه نخلةٌ في الدنيا مقابل نخلةٍ في الجنة لكن الرجل رفض مرةً اخرى طمعاً في متاع الدنيا فتدخل أحد اصحاب الرسول ويدعي ابا الدحداح فقال للرسول الكريم إن أنا اشتريت تلك النخلة وتركتها للشاب ألي نخلة في الجنة يارسول الله ؟ فأجاب الرسول نعم فقال أبو الدحداح للرجل أتعرف بستاني ياهذا ؟ فقال الرجل نعم ، فمن في المدينة لا يعرف بستان أبي الدحداح ذا الستمائة نخلة والقصر المنيف والبئر العذب والسور الشاهق حوله فكل تجار المدينة يطمعون في تمر أبي الدحداح من شدة جودته
فقال أبو الدحداح بعني نخلتك مقابل بستاني وقصري وبئري وحائطي فنظر الرجل إلى الرسول صلى الله عليه وآله غير مصدق ما يسمعه أيُعقل ان يقايض ستمائة نخلة من نخيل أبي الدحداح مقابل نخلةً واحدةً فيا لها من صفقة ناجحة بكل المقاييس فوافق الرجل وأشهد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله والصحابة على البيع وتمت البيعة فنظر أبو الدحداح الى رسول الله سعيداً سائلاً..
(أليَّ نخلة في الجنة يا رسول الله ؟)
فقال الرسول (لا..)
فبُهِتَ أبو الدحداح من رد رسول الله صلى الله عليه وآلهثم استكمل الرسول قائلاً ما معناه
(الله عرض نخلة مقابل نخلة في الجنة وأنت زايدت على كرم الله ببستانك كله وَرَدَّ الله على كرمك وهو الكريم ذو الجود بأن جعل لك في الجنة بساتين من نخيل يُعجز عن عدها من كثرتها وقال الرسول الكريم
( كم من مداح الى ابي الدحداح )
( والمداح هنا – هي النخيل المثقلة من كثرة التمر عليها )
وظل الرسول صلى الله عليه وآله يكرر جملته أكثر من مرةلدرجة أن الصحابة تعجبوا من كثرة النخيل التي يصفها الرسول لأبي الدحداح وتمنى كُلٌّ منهم لو كان أبا الدحداح وعندما عاد أبو الدحداح الى امرأته، دعاها إلى خارج المنـزل وقال لها
(لقد بعت البستان والقصر والبئر والحائط )
فتهللت الزوجة من الخبر فهي تعرف خبرة زوجها في التجارة وسألت عن الثمنفقال لها
(لقد بعتها بنخلة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام )
(فردت عليه متهللةً (ربح البيع ابا الدحداح – ربح البيع )
فمن منا يقايض دنياه بالآخرة ومن منا مُستعد للتفريط في ثروته أو منـزله او سيارته في مقابل شيءٍ آجلٍ لم يرهإنه الإيمان بالغيب وتلك درجة عالية لا تُنال إلا باليقين والثقة بالله الواحد الأحدلا الثقة بحطام الدنيا الفانية وهنا الامتحان والاختبارأرجو أن تكون هذه القصة عبرة لكل من يقرأهافالدنيا لا تساوي أن تحزن أو تقنط لأجلها أو يرتفع ضغط دمك من همومهاما عندكم ينفد وما عند الله باق..
يقول الإمام الشافعي رحمه الله
إن لله عبـــادا فطـــنا ........ طلّقوا الدنيا وعافوا الفتنا
نظروا الدنيا فلما علموا........ أنها ليست لحيٍ وطنا
جعلوها لجّةً واتخذوا........ صالح الأعمال فيها سفنا